صديق الحسيني القنوجي البخاري
74
فتح البيان في مقاصد القرآن
واختلف العلماء في تعيين الأشهر الحرم المذكورة ههنا ، فقيل هي الأشهر الحرم المعروفة التي هي ذو القعدة وذو الحجة ومحرم ورجب ، ثلاثة سرد ، وواحد فرد ، ومعنى الآية على هذا وجوب الإمساك عن قتال من لا عهد له من المشركين في هذه الأشهر الحرم . وقد وقع النداء والنبذ إلى المشركين بعهدهم يوم النحر ، فكان الباقي من الأشهر الحرم التي هي الثلاثة المسرودة خمسين يوما تنقضي بانقضاء شهر المحرم فأمرهم اللّه بقتل المشركين حيث يوجدون ، وبه قال جماعة من أهل العلم منهم الضحاك والباقر ، وروي عن ابن عباس واختاره ابن جرير . وقيل المراد بها شهور العهد المشار إليها بقوله : فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ [ التوبة : 4 ] وسميت حرما لأن اللّه سبحانه حرم على المسلمين فيها دماء المشركين والتعرض لهم وإلى هذا ذهب جماعة من أهل العلم منهم مجاهد وابن إسحاق وابن زيد وعمرو بن شعيب ، وقيل هي الأشهر المذكورة في قوله : فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ [ التوبة : 2 ] وقد روي ذلك عن ابن عباس وجماعة ورجحه ابن كثير ، وحكاه عن مجاهد وعمرو بن شعيب ومحمد بن إسحاق وقتادة والسدي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وسيأتي بيان حكم القتال في الأشهر الحرم الدائرة في كل سنة في هذه السورة إن شاء اللّه تعالى . فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ أي في أي مكان وأي وقت وَجَدْتُمُوهُمْ من حل أو حرم وَخُذُوهُمْ أي إئسروهم فإن الأخيذ هو الأسير وَاحْصُرُوهُمْ أي احبسوهم في القلاع والحصون حتى يضطروا ويلجؤوا إلى القتل أو الإسلام ، ومعنى الحصر منعهم من التصرف في بلاد المسلمين إلا بإذن منهم ، وقيل امنعوهم من دخول مكة خاصة والأول أولى . وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ أي طريق يسلكونه ونصب كُلَّ على نزع الخافض أي على كل طريق ، والمرصد الموضع الذي يرقب فيه العدو ويقعد ، ويقال رصدت فلانا أرصده أي رقبته ، أي اقعدوا لهم في المواضع التي ترتقبونهم فيها لئلا ينتشروا في البلاد ، والمعنى كونوا لهم رصدا حتى تأخذوهم من أي وجه توجهوا ، وقيل بكل طريق مكة حتى لا يدخلوها . وهذه الآية المتضمنة للأمر بقتل المشركين عند انسلاخ الأشهر الحرم عامة لكل مشرك لا يخرج عنها إلا من خصته السنة وهو المرأة والصبي والعاجز الذي لا يقاتل ، وكذلك يخصص منها أهل الكتاب الذين يعطون الجزية على فرض تناول لفظ المشركين لهم .